أحمد بن محمد مسكويه الرازي

255

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

وضعت العفة فضيلة لأجل اللّذات الرديئة التي تحيي الخيانات العظيمة على النفس والبدن . وكذلك الشجاعة وضعت فضيلة من أجل الأمور الهائلة التي يجب ان يقدم الانسان عليها في بعض الأوقات ولا يهرب منها وعلى هذا جميع الاخلاق المرضيّة التي وصفناها وحضضنا على اقتنائها . وأيضا فانّ جميع هذه الفضائل تحتاج إلى أسباب خارجة من الأموال ، وإلى اكتسابها من وجوهها ليمكنه أن يفعل بها فعل الأحرار ، والعادل يحتاج إلى مثل ذلك ليجازي من عاشره بجميل ، ويكافىء من عامله بإحسان ، وجميعها لا تقوم الا بالأبدان والأنفس وما هو خارج عنها على حسب تقسيمنا السعادات في ما مضى . « 1 » وكلّما كانت الحاجات أكثر احتيج إلى المواد الخارجة عنا أكثر فهذه حالة السعادة الانسانيّة التي لا تتم لها الا بالافعال البدنيّة والأحوال المدنيّة ، وبالأعوان الصالحين والأصدقاء المخلصين ، وهي كما تراها كثيرة والتعب بها عظيم ، ومن قصّر فيها قصرت به السعادة الخاصة به . ولذلك صار الكسل ومحبّة الراحة من أعظم الرذائل ، لأنّهما يحولان بين المرء وبين جميع الخيرات والفضائل ، ويسلخان الإنسان من الانسانية . ولذلك ذممنا المتوسّمين بالزهد إذا تفرّدوا عن الناس وسكنوا الجبال والمفازات ، واختاروا التوحش الذي هو ضد التمدّن ، لأنّهم ينسلخون عن جميع الفضائل الخلقيّة التي عددناها كلّها ، وكيف يعف ويعدل ويسخو ويشجع من فارق الناس وتفرد عنهم وعدم الفضائل الخلقية ، وهل هو الا بمنزلة الجماد والميت ؟ « 2 »

--> ( 1 ) . أي : كتاب ترتيب السعادات . ( 2 ) . يحلل هذه الظاهرة الشهيد السعد محمد باقر الصدر في مدرسته القرآنية الخالدة ، عندما يحلل الطوائف في المجتمع الفرعوني - طبعا هذا المجتمع وهذه الطوائف مستمرة إلى يومنا